محمد بن أحمد الفاسي

164

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ما لك لا تنحم يا رواحه * إنّ النحيم للسقاة راحه ويقال للنحمة : النحطة أيضا . وكان نعيم ، قديم الإسلام ، أسلم بمكة قبل عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، ولكنه أقام بمكة حتى كان قبيل الفتح ، لأنه كان ممن ينفق على أرامل بنى عدى وأيتامهم ، فقال له قومه ، حين أراد الهجرة وتشبثوا به : أقم عندنا ودن بأي دين شئت . فذكروا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال له حين قدم عليه : « قومك يا نعيم ، كانوا لك خيرا من قومي لي » قال : بل قومك خير يا رسول اللّه . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إن قومي أخرجوني ، وأقرك قومك » . فقال نعيم : يا رسول اللّه ، قومك أخرجوك إلى الهجرة ، وقومي حبسونى عنها . وكان بيت عدى بن كعب في الجاهلية ، بيت بنى عويج ، حتى تحول في بيت بنى رزاح ، بعمرو وزيد ابني الخطاب رضى اللّه عنهما ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رحمه اللّه . قال عبد الرحمن بن نمير بن عبد اللّه : كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، يأتي الشفاء ، فإذا رأته قالت : هذا عمر ، إذا مشى أسرع ، وإذا تكلم أسمع - وقال غيره : إذا ضرب أوجع - وهو الناسك حقا ، ما زال بنو عبيد تعلونا ظهرا ، حتى جاءنا اللّه بك . قال نمير : وكان نعيم النحّام وأبوه من قبله ، يحملون يتامى بنى عدى ، ويمونهم . قال الزبير : حدثني محمد بن سلام ، عن عثمان بن عثمان ، الذي كان قاضيا بالبصرة ، وهو خال أبى عبيدة ، قال : قال عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لأبيه : اخطب علىّ بنت نعيم النحام ، فقال له أبوه : اخطبها أنت ، فإن ردك ، اعرف . فخطبها عبد اللّه إلى نعيم ، فلم يزوّجه إياها . فقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه للنحام : خطب إليك ابن أخيك عبد اللّه بن عمر ، فرددته ! فقال له نعيم : لي ابن أخ مضعوف لا يزوجه الرجال ، فإذا تركت لحمي تربا ، فمن يذبّ عنه ؟ . وقتل نعيم بن عبد اللّه شهيدا بالشام ، يوم أجنادين . انتهى . وقال ابن عبد البر : كان نعيم النحام قديم الإسلام ، يقال إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبل الإسلام عمر بن الخطاب ، وكان يكتم إسلامه ، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة ، لأنه كان ينفق على أرامل بنى عدى وأيتامهم ويمونهم ، فقالوا : أقم عندنا على أي دين شئت ، وأقم على ربك ، واكفنا ما أنت كاف من أمر أراملنا ، فو اللّه لا يتعرض لك أحد إلا ذهبت أنفسنا جميعا دونك .